ساسي سالم الحاج
47
نقد الخطاب الاستشراقي
الخلقية مقابلة بالنظام اليوناني المماثل تعسف في القول لم نجد في الواقع ما يبرره خاصة إذا علمنا أن المصدر التشريعي الأساسي للجاهليين كان العرف ، وقد درجت الأعراف الجاهلية على أن الأحكام والأوامر والتعليمات الصادرة عن رؤساء القبائل مطاعة ولها قوة القانون في الالتزام بها والتقيّد بما ورد فيها ، لأن العرف هو القانون الحقيقي للعرب حتى يوم الناس هذا في البادية ، وكل انتهاك له أو مساس به هو انتهاك للنظام العام وسيادة القانون . نعم ، لم يكن في مكة نظام سياسي معروف كبقية الأقطار الأخرى المجاورة لها ، ولم تكن لها رئاسة سواء أكانت ملكية أو رئاسية أو شعبية ، ولم تكن لها حكومة مركزية منظمة ، ولم يكن لها مقومات الدولة الحديثة لأن كل عشيرة أو قبيلة موكول أمرها إلى رئيسها ، ولكن هؤلاء الرؤساء لا يخرجون عادة عن قرارات « الملإ » التي يصدرونها بتوافق الآراء مهما بعدت شقة الخلاف واتسعت ، ومهما تشعّبت المناقشات وتفرّقت ، وتبقى الغلبة دوما للرأي المشترك الصادر عن الجماعة المعزّز بالعرف الذي لا محيص عنه مطلقا . وعندما تحدث « وات » عن الحملة الحبشية على مكة علّل قيامها على المصالح التجارية التي انضمت إلى المصالح الدينية التي كانت الذريعة الأولى لها . ولكن المصادر العربية جميعها ترجع هذه الحملة إلى أسباب دينية صرفة لا علاقة لها بالسياسة أو الاقتصاد . وأن أبرهة بعد أن بنى « القلّيس » أمر العرب بالحج إليها فقام نفر منهم فدنسوها وأحدثوا فيها فاستشاط غضبه وعزم على تخريب الكعبة حتى يكره الناس على الحج إلى كنيسته ، ومضى في مشروعه إلى غايته حتى صرف عنه طبقا لما تواتر لدينا من أخبار . ولعل « السيوطي » هو المفسر والمؤرخ الإسلامي الوحيد الذي انفرد برواية مغايرة لبقية المؤرخين والمفسرين المسلمين عندما خالفهم في السبب الذي من أجله قرر « أبرهة » هدم الكعبة ، وفي الشخص الذي سار على رأس هذه الحملة أيضا . والسيوطي يعزو سبب الغزو إلى اعتداء أناس من مكة على ابن ابنته « أكسوم » عندما كان راجعا من الحج ، وقد وقع عليه ذلك الاعتداء بالقرب من نجران فاستولى المغيرون على حليّه ومتاعه ، وعندما أبلغ جده « أبرهة » بذلك استشاط غضبا ، وجرّد حملة بقيادة « شهر بن معقود » واجتازت الجزيرة حتى وصلت إلى مكة بعد مرورها بالطائف وهناك فاجأها طير الأبابيل فجعلها كعصف مأكول « 1 » .
--> ( 1 ) السيوطي ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ج 6 . ص 394 .